2026-06-22
الدين مخترم والحق ..ميمية أبي فراس الحمداني
صَلّى الإِلَهُ عَلَيهِم أَينَما ذُكِروا
لِأَنَّهُم لِلوَرى كَهفٌ وَمُعتَصَمُ
_______________________________
الدينُ مُختَرَمٌ وَالحَقُّ مُهتَضَمُ
وَفَيءُ آلِ رَسولِ اللَهِ مُقتَسَمُ
وَالناسُ عِندَكَ لاناسٌ فَيُحفِظهُم
سَومُ الرُعاةِ وَلا شاءٌ وَلا نَعَمُ
إِنّي أَبيتُ قَليلَ النَومِ أَرَّقَني
قَلبٌ تَصارَعَ فيهِ الهَمُّ وَالهِمَمُ
وَعَزمَةٌ لايَنامُ اللَيلَ صاحِبُها
إِلّا عَلى ظَفَرٍ في طَيِّهِ كَرَمُ
يُصانُ مُهري لِأَمرٍ لا أَبوحُ بِهِ
وَالدِرعُ وَالرَمجُ وَالصَمصامَةُ الخَذِمُ
وَكُلُّ مائِرَةِ الضَبعَينِ مَسرَحُها
رِمثُ الجَزيرَةِ وَالخِذرافُ وَالعَنَمُ
وَفِتيَةٌ قَلبُهُم قَلبٌ إِذا رَكِبوا
يَوماً وَرَأيُهُمُ رَأيٌ إِذا عَزَموا
يالِلرِجالِ أَما لِلَّهِ مُنتَصِفٌ
مِنَ الطُغاةِ أَما لِلدينِ مُنتَقِمُ
بَنو عَلِيٍّ رَعايا في دِيارِهِمُ
وَالأَمرُ تَملِكُهُ النِسوانُ وَالخَدَمُ
مُحَلَّثونَ فَأَصفى شُربِهِم وَشَلٌ
عِندَ الوُرودِ وَأَوفى وُدِّهِم لَمَمُ
فَالأَرضُ إِلّا عَلى مُلّاكِها سَعَةٌ
وَالمالُ إِلّا عَلى أَربابِهِ دِيَمُ
وَما السَعيدُ بِها إِلّا الَّذي ظَلَموا
وَما الغَنِيُّ بِها إِلّا الَّذي حَرَموا
لِلمُتَّقينَ مِنَ الدُنيا عَواقِبِها
وَإِن تَعَجَّلَ مِنها الظالِمُ الأَثِمُ
لايُطغِيَنَّ بَني العَبّاسِ مُلكُهُمُ
بَنو عَلِيٍّ مَواليهِم وَإِن زَعَموا
أَتَفخَرونَ عَلَيهِم لا أَبا لَكُمُ
حَتّى كَأَنَّ رَسولَ اللَهِ جَدُّكُمُ
وَما تَوازَنَ يَوماً بَينَكُم شَرَفٌ
وَلا تَساوَت بِكُم في مَوطِنٍ قَدَمُ
وَلا لَكُم مِثلُهُم في المَجدِ مُتَّصِلٌ
وَلا لِجَدِّكُمُ مَسعاةُ جَدِّهِمُ
وَلا لِعِرقِكُمُ مِن عِرقِهِم شَبَهٌ
وَلا نَفيلَتُكُم مِن أُمِّهِم أَمَمُ
قامَ النَبِيُّ بِها يَومَ الغَديرِ لَهُم
وَاللَهُ يَشهَدُ وَالأَملاكُ وَالأُمَمُ
حَتّى إِذا أَصبَحَت في غَيرِ صاحِبِها
باتَت تَنازَعُها الذُؤبانُ وَالرَخَمُ
وَصُيِّرَت بَينَهُم شورى كَأَنَّهُمُ
لا يَعرِفونَ وُلاةُ الحَقِّ أَيَّهُمُ
تَاللَهِ ماجَهِلَ الأَقوامُ مَوضِعَها
لَكِنَّهُم سَتَروا وَجهَ الَّذي عَلِموا
ثُمَّ اِدَّعاها بَنو العَبّاسِ إِرثَهُمُ
وَما لَهُم قَدَمٌ فيها وَلا قِدَمُ
لايُذكَرونَ إِذا مامَعشَرٌ ذُكِروا
وَلا يُحَكَّمُ في أَمرٍ لَهُم حَكَمُ
وَلا رَآهُم أَبو بَكرٍ وَصاحِبُهُ
أَهلاً لِما طَلَبوا مِنها وَما زَعَموا
فَهَل هُمُ مُدَّعوها غَيرَ واجِبَةٍ
أَم هَل أَئِمَّتُهُم في أَخذِها ظَلَموا
أَمّا عَلَيٍّ فَقَد أَدنى قَرابَتَكُم
عِندَ الوِلايَةِ إِن لَم تُكفَرِ النِعَمُ
هَل جاحِدٌ يابَني العَبّاسِ نِعمَتَهُ
أَبوكُمُ أَم عُبَيدُ اللَهِ أَم قُشَمُ
بِئسَ الجَزاءَ جَزَيتُم في بَني حَسَنٍ
أَبوهُمُ العَلَمُ الهادي وَأُمُّهُمُ
لا بَيعَةٌ رَدَعَتكُم عَن دِمائِهِمُ
وَلا يَمينٌ وَلا قُربى وَلا ذِمَمُ
هَلّا صَفَحتُم عَنِ الأَسرى بِلا سَبَبٍ
لِلصافِحينَ بِبَدرٍ عَن أَسيرِكُمُ
هَلّا كَفَفتُم عَنِ الديباجِ أَلسُنَكُم
وَعَن بَناتِ رَسولِ اللَهِ شَتمَكُمُ
مانُزِّهَت لِرَسولِ اللَهِ مُهجَتُهُ
عَنِ السِياطِ فَهَلّا نُزِّهَ الحَرَمُ
مانالَ مِنهُم بَنو حَربٍ وَإِن عَظُمَت
تِلكَ الجَرائِرُ إِلّا دونَ نَيلُكُمُ
كَم غَدرَةٍ لَكُمُ في الدينِ واضِحَةٍ
وَكَم دَمٍ لِرَسولِ اللَهِ عِندَكُمُ
أَأَنتُمُ أَلُهُ فيما تَرَونَ وَفي
أَظفارِكُم مِن بَنيهِ الطاهِرينَ دَمُ
هَيهاتَ لاقَرَّبَت قُربى وَلا رَحِمٌ
يَوماً إِذا أَقصَتِ الأَخلاقُ وَالشِيَمُ
كانَت مَوَدَّةُ سَلمانٍ لَهُ رَحِماً
وَلَم يَكُن بَينَ نوحٍ وَاِبنِهِ رَحِمُ
يا جاهِداً في مَساويهِم يُكَتِّمُها
غَدرُ الرَشيدِ بِيَحيى كَيفَ يَنكَتِمُ
لَيسَ الرَشيدُ كَموسى في القِياسِ وَلا
مَأمونَكُم كَالرِضا إِن أَنصَفَ الحَكمُ
ذاقَ الزُبَيرِيُّ غِبَّ الحِنثِ وَاِنكَشَفَت
عَنِ اِبنِ فاطِمَةَ الأَقوالُ وَالتُهَمُ
باؤوا بِقَتلِ الرِضا مِن بَعدِ بَيعَتِهِ
وَأَبصَروا بَعضَ يَومٍ رُشدَهُم وَعَموا
يا عُصبَةً شَقِيَت مِن بَعدِ ما سَعِدَت
وَمَعشَراً هَلَكوا مِن بَعدِما سَلِموا
لَبِئسَ مالَقِيَت مِنهُم وَإِن بَلِيَت
بِجانِبِ الطَفِّ تِلكَ الأَعظُمُ الرِمَمُ
لاعَن أَبي مُسلِمٍ في نُصحِهِ صَفَحوا
وَلا الهُبَيرِيَّ نَجّى الحِلفُ وَالقَسَمُ
وَلا الأَمانُ لِأَزدِ الموصِلِ اِعتَمَدوا
فيهِ الوَفاءَ وَلا عَن عَمِّهِم حَلِموا
أَبلِغ لَدَيكَ بَني العَبّاسِ مَألُكَةٌ
لا تَدَّعوا مُلكَها مُلّاكُها العَجَمُ
أَيُّ المَفاخِرِ أَمسَت في مَنابِرِكُم
وَغَيرُكُم آمِرٌ فيهِنَّ مُحتَكِمُ
وَهَل يَزيدُكُمُ مِن مَفخَرٍ عَلَمٌ
وَفي الخِلافِ عَلَيكُم يَخفِقُ العَلَمُ
خَلّوا الفَخارَ لِعَلّامينَ إِن سُئِلوا
يَومَ السُؤالِ وَعَمّالينَ إِن عَلِموا
لايَغضَبونَ لِغَيرِ اللَهِ إِن غَضِبوا
وَلا يُضيعونَ حُكمَ اللَهِ إِن حَكَموا
تَبدو التِلاوَةُ مِن أَبياتِهِم أَبَداً
وَفي بُيوتِكُمُ الأَوتارُ وَالنَغَمُ
مِنكُم عُلَيَّةُ أَم مِنهُم وَكانَ لَهُم
شَيخُ المُغَنّينَ إِبراهيمُ أَم لَكُمُ
مافي دِيارِهِمُ لِلخَمرِ مُعتَصَرٌ
وَلا بُيوتُهُمُ لِلسوءِ مُعتَصَمُ
وَلا تَبيتُ لَهُم خُنثى تُنادِمُهُم
وَلا يُرى لَهُمُ قِردٌ لَهُ حَشَمُ
الرُكنُ وَالبَيتُ وَالأَستارُ مَنزِلُهُم
وَزَمزَمٌ وَالصَفا وَالحِجرُ وَالحَرَمُ
صَلّى الإِلَهُ عَلَيهِم أَينَما ذُكِروا
لِأَنَّهُم لِلوَرى كَهفٌ وَمُعتَصَمُ
____________________________
أبو فراس الحمداني (320هـ – 357هـ / 932م – 968م) هو الحارث بن سعيد بن حمدان، كنيته أبو فراس، أحد أبرز شعراء العصر العباسي في القرن الرابع الهجري، وواحد من فرسان بني حمدان وأعلامهم. وُلد في الموصل سنة 320هـ (932م)، وقُتل والده وهو في الثالثة من عمره على يد ابن عمه نتيجة لصراعات سياسية داخل الأسرة، فتولّى سيف الدولة الحمداني كفالته ورعايته. نشأ أبو فراس في بلاط الحمدانيين بمدينة حلب، حيث تلقّى علوم الأدب والفروسية، وتشرّب روح الفخر والبطولة. أوكله سيف الدولة ولاية منبج ليراقب منها تحركات الروم على الحدود، فخاض المعارك وشارك في الذود عن الثغور. تعرض للأسر من قبل الروم مرتين، وكانت المرة الأولى طويلة الأمد، حيث بقي في الأسر نحو سبع سنوات، في قلعة خرشنة على الفرات، قبل أن يتمكن من الفرار. أما الأسر الثاني فكان سنة 962م، حيث اقتيد إلى القسطنطينية، وراسل خلالها سيف الدولة يلتمس الفداء، لكنه قوبل بالإهمال، فظل حبيسًا حتى تم تحريره سنة 966م. وخلال أسره، أبدع أبو فراس أروع ما قال من شعر، فيما يُعرف بـالروميات، وهي قصائد صادقة الوجدان، عميقة الشعور، تمثل ذروة الشعر الإنساني في التعبير عن الألم والأمل والكرامة. توفي أبو فراس سنة 357هـ / 968م، بعد أن خلد اسمه في سجل الشعراء الفرسان، وترك ديوانًا غنيًا يُعد من روائع الأدب العربي.
التعليقات
×